56

0 comments




  يضيّق عينيّه متشككًا أو يبتسم بحياد وأنت تتحدّث قبل أن يُطلق تعليقًا ساخرًا.. منك أو من كلامك أو من الاثنين (وربما من الحياة ذاتها). يحترف الصمت والكتمان مما يدفع ماما أحيانًا إلى أن (تشدّ في شعرها منه). هو ذاته الذي كان ينظر إلى شهادة درجاتي الشهرية ماطًا شفتيه: "الثانية.. وليه مش الأولى؟" أو: "الأولى، ومالك ناقصة في الرياضيات كدة ليه؟"
أُخرج آخر مشترياتي من الملابس فيقول:"ايه ده، أحمر؟" أو "فوشيا.. ليه؟" أو " أخضر.. هتزرّعي؟"
(تجدُر هنا الإشارة إلى أن مشترياتي الأخيرة تروق له، ربما لأن الرمادي موضة حاليًا!)


 أسمع (تكة) مفتاحه في الباب كل يوم مساءً  فتنتبه حواسي بإحساس طفلة منذ عشرين عامًا كانت تقفز على الأريكة صائحة: "بابا جه.. بابا جه". أنا لا أعرف أصلًا  كيف أتأقلم مع غياب صوت المفتاح. في أول مرة حُرمت هذا الصوت في موعد عودته ذكرني الغياب بوهنه المكسور على فراش مستشفى بعيد فبكيت عاليًا، وكنت قد كففت عن هذا البكاء منذ طفولتي.


 إ ن لم تعرفه بحق لن تُدرِك أبدًا أن هذا الصارم المتشكك الساخر بكآبة الذي نادرًا ما يعجبه شيئًا ظل عمرًا يؤدي طقوسًا دورية تتضمن قطع البلد كلها لشراء أفضل (زبادي)  أو أفضل (أقلام وكراسات).. أو أفضل أي شيء نحتاجه!
وأنه يستمتع بغيظ ماما حين تقول: لا فيقول هو: نعم، فنتخابث نحن-العيال- ونعرف إلى من نلجأ حين ينتهي المصروف (في الخباثة). وأن لا مانع عنده من انتظارنا في السيارة لساعات بعد عمله وهو مرهق كي (نروّح) معًا- شيء أتقبله أنا ورضوى على سبيل " الدلع" غالبًا ويعتبره هو من بديهيات واجباته- أو حين يغيظك ويقهرك في خناقة تقسم بعدها ألا تحدّثه أبدًا أبدًا، ثم يمد يده بالعيدية  صباح يوم العيد فتقع في معضلة أخلاقية عظيمة: آخد العيدية ولا ماخدهاش!


 في  فيلم طفولتي مشاهد مسلية، تغيب ماما في عملها يوم إجازته، فنبدأ العبث.. نحضّر إفطارًا  "عظيمًا" ونخرج المكعبات والعرائس، نتهجى معًا الأبجدية ويقرأ لي قصصًا فيها عصافير وبحار وغابات وسماوات جميلة، نخرج (الأتاري) من مخبأه ويتحمل غلاسة طفلة لا تلعب سوى (سلاحف النينجا) ويضحك عليها بأن يتركها تفوز أحيانًا.
 يقف للصلاة فأنظر له في شك، ثم أستكين قليلًا وأقلد حركاته، أتململ من طول الوقفة ثم أتركه يكمل الصلاة وأنصرف إلى أي شيء آخر.
 عصر الجمعة يجلسني على فخذيه و يقول: " قولي ورايا.. قل أعوذ برب الناس.. ملك الناس... "،  أكرر وراءه ونعيد، أكرر ونعيد.. حتى يحفظني السورة باتقان.
 نخرج معًا فيشتري لي بالونات، وفي الزحام يقول لي: خليكي ماسكة في ايدي كويس. يأخذني إلى الأرجوحة.. يدفعني ببطء في البداية، أقول: كمان فيُسرع، أضحك وأصرخ: كمان.. كمان. يقول: تعبت، كفاية بقى، فأتذمر: ماليش دعوة، فيؤرجحني حتى أقول انا: كفاية.. زهقت.
 أنظر إلى الدراجة الزرقاء الجديدة، اشتراها لي.. لي وحدي.  فوق سطح بيتنا الواسع يقول: هعلّمك. يدفع فيختل توازني وأسقط. يدفع وأسقط، أحيانًا يقيني السقوط لكني لا أتوازن. يقول: " اوزني نفسك كويس.. ماتخافيش" ، أتوازن قليلًا ثم أسقط. يدفعني مرارًا لساعات حتى أُكمِل ذلك الخط القصير عبر أرض السطح متوازنة فأعلن انتصاري..  يمكنني قيادة درّاجة!


  الآن حين تنتابه رعشة نقص السُّكر، وألتقط صفرة وجهه، أدس عسلًا يكره طعمه بين شفتيه فيقول بعندٍ: " مش واخد"، أقف أمامه بنفس "نشفان الدماغ" وأقول: لأ هتاخد. أدرك كم أشبهه في تلك الدقائق الفاصلة بين الوعي وغيابه. فأتشبث بعندي\عنده أكثر. وحين يجلس بعدها أمام التلفزيون أقول له ب(غلاسة) : "الله.. ده انت قمت يعني، الحمد لله عالسلامة". فيقول بلهجة أكثر (غلاسة) وهو يضيق عينيه: "ليه.. هو حصل حاجة، مانا كويس أهه!"
وحين يرتدي ملابس جديدة يقول: "ايه رأيك"، أمط شفتي متصنعة القرف وأقول: "يعني.. " ، فيرد فورًا: "والله مابتفهمي حاجة!"
وحين أجلس خلف مقود السيارة وهو بجواري لا يكف عن الكلام: اكسري يمين.. اوعي النقل.. بصي في المراية.. دي سواقة دي. فأضغط البنزين بقوة ترج السيارة وأقول: "على فكرة معايا رخصة!"


  يأيها القادم إلى صالون بيتنا، حين يضيق عينيه بود مصطنع وهو يسألك: وبتاخد كام على كدة؟ أو حين يبتسم ابتسامة تُقلقك أكثر ما تطمئنك وهو يستمع إلى حديثك فلتعلم أنك تمر باختبار عسير جدًا، ويجدُر بك أن تحمل في روحك جزءًا منه كي تأخذ بطولة فيلم عمري القادم، فليس أفضل من بطل الفيلم الأصلي.
عِندي عندُه وغضبي غضبه و مشاغبتي مشاغبته، فكيف لا أحبه وأنا منه، يحبني على طريقته وأحبه على طريقتي. هو بابا الذي يكمل اليوم عامه السادس والخمسين.


"دوق.."

0 comments



.. وإذا بها تبدأ بالكلمات الثلاث الأولى من المقطع التالي،"الليالي الحلوة.." مرتجلة ما أعانها إلهامًا
 على الارتجال، محاورة الأوركسترا التي تصاحبها طائعة وتستجيب لها بردّ غرامي." الليالي الحلوة،
 والشوق والمحبة\ من زمان والقلب شايلهم عشانك" قوبلت المَدّة بغليان أقام الصالة وأقعدها
هتافًا وتكبيرًا. أما هي فوقفت على المسرح متلقية عاصفة التهليل بذراعين مبسوطتين، و ردت بترداد البيت بأكمله، متريثة في كل عبارة على هواها، مرددة الكلمات، لاعبة بها كأنها تنكأ، 
وتنكأ الجرح بسكّين.

تجاهلت حال الهيجان في الصالة، وخصّتني وحدي بنظراتها، واقتربت. أشارت إليّ بحركة من رأسها، كأنها تسخر من شحوبي. وعندما لامست شفتاها المذياع مجددًا همست بصوت لعوب: " دوق معايا الحب دوق" فتصدّعت جدران الصالة، ضحكتْ ، كأنها تتعمد الإثارة و رددت شطر البيت " دوق معايا" و رددته حتى استحال كلمة واحدة: "دوق" التي كررتها بأكثر من ترخيم وعلى نحو لا يخلو من الإيحاء الواضح. كانت قد جاوزت الستين من عمرها، فتجرؤ على ذلك دون خجل أخيرًا، وأنا المقلبُ الآخر من مرآتها، جمهورها المجسد في شخص واحد، لم أنتظر عبثًا. 
كنتُ "عمرها".


* النص من رواية " كان صرحًا من خيال"
ل(سليم نصيب)، ترجمة: بسّام حجّار 
0 comments



"سأظلُّ أحلم دائما بذلك الفجر الأزرق الشفيف، وأنت نائمٌ على الأريكة، وأنا أفتح النوافذ، وأصغي للأذان وأقترب منك، وأصغىِ لصوت أنفاسك وأغفرُ من أجلك للعالم كلَّ ذنوبه".

لَيلَى





*فاتحة-الليالي الأربع
أحمد بخيت 


3 comments


أتركُ كل الأمراضِ والجراحاتِ الثقيلة على مكتبي، أنثرُ عطرَ الفُلِ الذي أحبُ في غرفتي فيدغدغ حواسي. أستلقي مراقبةً شمس العصرٍ المتسللة من نافذتي، تحضرني نهاياتُ صيفٍ طفولي أداعبُ فيه ذراتِ الغبارِ المعلقةِ في شعاعِ الشمس اللطيفة بأناملي و أتأملُ بقعةُ الضوءِ الذهبية على أرضِ لَعِبي. ماما نائمة بجواري،  أُخرج مناديلَ كثيرةً من علبة كبيرة، أتخيلُها أمواجُ بحرٍ، ألهو في (بحري) وأنثرُ (أمواجي) في السكون، حيث لا قلق قبل ولا بعد، فقط بحري وأمواجي وذرات الشمس، ورائحة فُل متسللة من بعيدٍ.

تحت الرمانة حِبي حاكاني

3 comments

نصري الصغير: موضوعي الأول بمجلة (أَمكِنَة).

1 comments

عندما عرض عليّ (علاء خالد) منذ شهور المشاركة في العدد الجديد من (أمكنة) اتخضيت!
لم أكن أتوقع أن صاحب (ألم خفيف كريشة طائر..) قد يعجب بما أكتب ويمنحني ثقة الكتابة لمشروعه الجميل.

عندما عرفت (أمكنة) لأول مرة، أحببت فيها روح المكان القوية وامتزاجها بمفردات الجمال في التاريخ والجغرافيا، وارتباطها بإبداع الكتابة والفوتوغرافيا مع تنوع جنسيات وأعمار كُتّاب العدد الواحد. هي ليست مجلة بالصورة الخفيفة التي تخطر ببالنا، لكنها وجبة دسمة تأخذ وقتها في التحضير، يكفي أن نعلم أن العدد الأخير يتم التجهيز له منذ أكثر من عام ونصف.

قضيت وقتًا طويلًا أفكر فيما سأكتبه (وكنت مازلت مخضوضة برضه) وهي المرة الأولى لكتابتي في موضوع محدد مسبقًا (حياة الجامعة)، فوجدتني أخرج يومياتي التي بدأت تسجيلها في عامي الجامعي الأول، وأحاول تحديد الخطوط العامة لست سنوات من ثراء شخصيتي وتكوينها. وأسترجع مواقف ظننت أني نسيتها. وأكون آراءً بأثر رجعي عن أشياء لم أفهمها في وقتها. فبقدر ما كنت الكتابة صعبة كان التفكير صعبًا.

 أدهشني كثيرًا تعامل (علاء خالد) معي، فهو لم تتملكه سطوة السن الأكبر ولا الخبرة الإبداعية، بل منحني من وقته ومجهوده فكان مهتمًا بسماع أفكاري، وقراءة مسوداتي، و تابع معي الكتابة منذ البداية وحتى اختيار العنوان، دون أن أشعر قط أنه يفرض عليّ اتجاهًا بعينه. و رغم أنني تجاوزت المدة المحددة للكتابة لم يضجر من إني (واقفة ومش عارفة أكمل)!

أنا لم أر العدد بعد، وانتظره معكم بعد انتهاء الاحتفالية بالمجلة في اسكندرية، سيكون متوفرًا في المكتبات يوم الثلاثاء القادم. موضوعي عنوانه (ج ا م ع ة)، استمتعوا بقراءته إذًا وأخبروني بآرائكم.

علاء خالد في برنامج عصير الكتب مع بلال فضل يتحدث عن (أمكنة) :



http://www.youtube.com/watch?v=-Umzk-9f-z0









أشياء تحدث في آخر يوم من رمضان

2 comments
بدأت الأشياء بدخولي النادر للمطبخ عشان اعمل صينية بطاطس في الفرن:

ودي المكونات

وبعدين حطيتهم في الصينية كدة:

وبعدين سويت البطاطس على النار:

وبعدين دخلت الفرن وخرجت (هي فيها لحمة مسلوقة مسبقًا عشان ماحدش يفتكر إنها اتحرقت) :)

وهنا ييجي دور الرز بشعرية:

وفرختنا الحلوة اللي سلقتها:



وبعدين دخلت الفرن برضه:


-------------

لأنه آخر نهار في رمضان، كعادتي كان لازم أصور غروب الشمس السنة دي برضه:
وهنا كان قرآن المغرب انتهى :)

-------------
و جا زوار تانيين في البيت:
السمك الجديد


والعصافير الجديدة.

---------

وخلص رمضان وجه العيد، أهلًا بيه :)